محمد هادي معرفة
249
شبهات وردود حول القرآن الكريم
المتناثر آية طول سنين . وربّما يختلف النظر لو كان صادرا من إنسان ، وهو آخذ في التكامل طول هذه المدّة ، فطبيعي أن يقع فيه اختلاف ، لكن عدم الاختلاف دليل قاطع على أنّه من عليم خبير ، هو محيط بعلمه ولا يعزب عن علمه شيء ، كما لا يتجدّد له رأي أو يبدو له نظر غير رأيه القديم . وللعلّامة السيّد هبة الدين الشهرستاني هنا كلام غريب ، قال : إنّ جماعة من المفسّرين قد التبس عليهم أمر المانع بالسبب ، فعدّوا سلامة القرآن من التنافي والتنافر ، من وجوه إعجازه ، في حين أنّ وجود التنافي والتنافر من موانع الإعجاز ، وليس انعدامهما والسلامة منهما من أسباب الإعجاز . « 1 » ولعلّه رحمه اللّه عدّ السلامة من الاختلاف أمرا عدميا ، فجعل التنافي والتنافر ، وهما أمران وجوديّان ، من المانع . في حين أنّ السلامة هنا بمعنى الائتلاف وحسن الوفاق والمؤكّد للانسجام بين آياته وتعابيره في كافّة السور مكيّتها ومدنيّتها بوئام وانسجام . الأسباب الموهمة للاختلاف ذكر الإمام بدر الدين الزركشي للاختلاف أسبابا : الأوّل : وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتّى ، كقوله تعالى في خلق آدم مرّة : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ . « 2 » وأخرى : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . « 3 » وثالثة : مِنْ طِينٍ لازِبٍ . « 4 » ورابعة : مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ! « 5 » وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة ، لأنّ الصلصال غير الحمأ ، والحمأ غير التراب ، إلّا أنّ مرجعها كلّها إلى جوهر وهو التراب ، ومن التراب تدرّجت هذه الأحوال .
--> ( 1 ) المعجزة الخالدة للشهرستاني ، ص 42 . ( 2 ) آل عمران 3 : 59 . ( 3 ) الحجر 15 : 26 . ( 4 ) الصافّات 37 : 11 . ( 5 ) الرحمن 55 : 14 .